سميح دغيم

348

موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي

تقرّب - اعلم ، أنّ التقرّب مأخوذ في المعنى من القرب ، فحقيقة ذلك لا تجوز على اللّه تعالى . وإنّما يصحّ ذلك في الأجسام التي يصحّ عليها القرب والبعد . فإذا قيل : إنّ العبد يتقرّب إلى اللّه ، تعالى ، بفعل الصلاة ، فالمراد به أنّه يطلب منزلة الثواب لديه ، لأنّه أقرب المنازل عنده وأرفعها . ذلك في الشاهد متعارف ، لأنّ أحدنا قد يخاطب الملك في بعض الأحوال بذلك ، فيقول : إنّما أتقرّب إليك بهذا الفعل ، إذا طلب به ضربا من الرفعة لديه . وربما قال بدلا من ذلك : أتقرّب من قلبك . فعلى هذا الوجه استعملوا هذه اللفظة . فإذا صحّ ذلك ، وقد بيّنا في الفصل المتقدّم أنّ المكلّف للنظر والمعرفة ابتداء لا يصحّ أن يعرف الثواب وإن استحقّه على النظر وسائر الطاعات ، فيجب أن لا يصحّ منه أن يطلب بالنظر الثواب . فإذا كان هذا هو طلب القرب من اللّه ، تعالى ، وهو الذي يفيده التقرّب ، فيجب أن لا يصحّ منه أن يطلب بالنظر الثواب . فإذا كان هذا هو طلب القرب من اللّه ، تعالى ، وهو أن يتقرّب ، وهذا مما يصحّ ولا يحسن على ما بيّناه من قبل . لأنّ حسن التقرّب بالفعل متعلّق بشروط منها أن يكون عارفا باللّه ، تعالى ، ومنها أن يعرف استحقاق منزلة الثواب على الفعل الذي يتقرّب به . ولذلك لا يحسن من أحدنا أن يتقرّب إلى اللّه ، تعالى ، بفعل المباحات لما لم يستحقّ بهما الثواب ( ق ، غ 12 ، 288 ، 16 ) - قال شيخنا أبو علي ، رحمه اللّه : إنّ التقرّب بفعل الصلاة وغيرها إلى اللّه ، تعالى ، من العاشق لا يحسن وإن صحّ . وذلك أنّه مع فسقه لا يستحقّ الثواب على الصلاة ، لأنّها تقع محيطة بفسقه ، فيكون طالبا للثواب على وجه يقبح عليه . فذلك وإن صحّ منه ، فهو غير حسن ، إلّا أن يفعلها مع التوبة فيحسن منه التقرّب بها . فإذا كان المصلّى مع معرفته باللّه ، تعالى وبالثواب ، لا يحسن منه ذلك ، فبأن لا يحسن ممن لا يعرف كلا الأمرين أولى ( ق ، غ 12 ، 289 ، 13 ) - قال أبو القاسم : التقرّب من جنس التمني ، والمحبة كان الإنسان يتمنى ويحبّ أن يتقرّب بفعله من اللّه تعالى ، وليس بجائز أن يكون مع الفعل ، أو لو جاز ذلك لجاز أن يكون بعده ، مثل العلّة التي جاز من أجلها أن يكون معه ( ن ، م ، 367 ، 21 ) - عند شيوخنا أنّ التقرّب إرادة في الحقيقة ، ويكون مقارنا للفعل الذي يتقرّب به ( ن ، م ، 367 ، 24 ) تقضّي القدرة وقت مقدورها - قد بيّنا أنّ القدرة لا يصحّ أن تتعلّق إلّا بجزء واحد في وقت واحد من جنس واحد ، فلو لم نقل بأن تقضّي وقت مقدورها يخرجها من أن توصف بأنّ لها قدرة عليه لم يصحّ ما قدّمناه من الأصل . وليس كذلك حاله - تعالى - لأنّ الذي يحيل كونه قادرا على الشيء ليس إلّا وجود مقدوره ، فإذا زال هذا الوجه كان حال المقدور - وقد تقدّم حدوثه - كحاله ولما يتقدّم ذلك ، وصحّة إيجاده له على ما قدّمنا القول فيه . فأمّا ما لا يبقى فقد بيّنا أنّه لأمر يرجع إليه يستحيل وجوده إلّا في وقت واحد من فعل أيّ فاعل كان ، ولا يصحّ أن يحدث إلّا في ذلك الوقت ، وليس كذلك حال الجواهر ؛ لأنّ وجودها في كل وقت على جهة البقاء